Affichage des articles dont le libellé est مقالات. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est مقالات. Afficher tous les articles
mercredi 22 janvier 2014

الشعرة التي قصمت ظهر البعير


بسم الله الرحمان الرحيم

هذا مثل وضعه العرب لبيان أنّ الشيء الخفيف إذا أضيف إلى الحمل الثقيل فإنّه يكون سببا في قصم ظهر البعير، فرغم أنّ الشعرة لا تساوي شيئا مهمّا في وزنها، فإنّها زادت على الحمل إلى درجة أنّ البعير لم يعد بمقدوره أن يتحمّل أكثر فعجز بحمله وأدّى هذا الشيء الثقيل إلى قصم ظهره .


هذا بيان تقريبي فيه توضيح للمثل الذي صدّرت به هذا المقال وقريب منه قول القائل " القطرة التي أفاضت الكأس " فالكأس لمّا كان ممتلئا، كان للقطرة الواحدة أن تفيضه . وإنّما دعاني إلى التمثّل بهذه الأمثال، ما ترامى إلى مسامعي من احتشاد آلاف من الناس، اجتمعوا في باحة جامع الزيتونة – جاؤوا من كلّ حدب وصوب –  من أجل مشاهدة شعرة – أُدّعي أنّها من شعرات الرسول صلى الله عليه وسلّم، وصدمني - شديد المصادمة – أن يكون اهتمام الأمّة وتطلّعها لمستقبل دينها قد تدنّى إلى هذا المستوى الذي قصُر عن المطلوب، فلقد كان الجامع المعمور يغصّ بأهله من العلماء والنسّاك وطلبة العلم مشتغلين ببيان معاني القرآن وشرح السنّة والاجتهاد في الفقه وبيان آداب الشريعة وحكًمها، فأصبح يغصّ بالسائلين عن الشعر، المُشتغلين بالتفث .


إنّ الأمّة الإسلامية - والشعب التونسي جزء منها – مطالبة برفع التحدّيات الملقاة عليها من تغوّل الحضارة الغربية وهيمنة خطابها الفكري، وانتشار نمطها الحضاري المعروض على الإنسانية بمؤسساتها المختلفة، التنفيذية والقضائية والتشريعية وتمكّن اقتصادها القائم على المبادلة الحرّة والمطلقة . ولايمكن التعامل مع هذه الحضارة الغالبة إلا ببرامج متكافئة في جميع المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية ولكن - ويا للأسف – فالأمّة ليست في مستوى هذه التطلّعات، ولقد نبّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى أنّ الأمّة في حال ضعفها ستتداعى عليها الأمم، وأنّ الناس في زمان الضعف والهوان، يكونون كحثالة التمر أو الشعير لا يبالي الله بهم بالا ، فأقول لهؤلاء الذين تجمّعوا في جامع الزيتونة ينتظرون رؤية شعرة كاذبة، ولو كانت حقّا ما أغنت عنهم شيئا . إنّ الذي يُغني في هذا الزمان هو كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلّم، إنّ الذي أدْعى أن يُهتمّ به هو كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم عليم وإنّ الذي أدعى أن يُنظر إليه وفيه ويُقتبس منه، القرآن، نور الله الأزليّ الذي هو بين أيديكم وفي بيوتكم، الكتاب الذي بذل من أجله الصحابة أعمارهم، فدوّنوه وجمعوه وحفظوه وحافظوا عليه وتلوه حقّ تلاوته، وتدبّروا  آياته، ولكنّكم ضيّعتم الكتاب وانشغلتم عن السنّة وعن تعلّمها وتدبّرها والاستفادة من مواعظها وأتيتم مهرولين تبحثون عن شعرة، أيّمتكم وعامتّكم سواء .


إنّ الشرع هو حبل الله المتين – وليست الشعرة – وهو أيضا حبل النجاة في الدنيا والآخرة فانتبهوا أيّها الغُفّل من سبات الجهل والخرافة، واستعيدوا وعيكم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم " تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وسنّتي " ولم يقُلْ صلى الله عليه وسلّم : تركت فيكم شعرتي وقميصي، فأصلح الله حالكم وهداكم لرشده، إنّه إن يشاء قدير .
لقد مرّ على وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أكثر من ألف وأربعمائة وخمسة وعشرين عاما، يصدأ فيها الحديد وتنخر فيها العظام، وتمّحي فيها الآثار، ويصير فيها كلّ شيء إلى البلى، فهل يعقل أن تبقى على طول هذا الزمان المديد، شعرة أو شعرات من شعره صلّى الله عليه وسلّم، تحافظ عليها الأمّة وهي التي أضاعت ما هو أعظم من ذلك وأجلّ قدرا، وقد يعترض معترض فيقول أخذ أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه شيئا من شعره، وأنّه فرّق على الناس شيئا من شعره كما هو في صحيح البخاري في " كتاب الوضوء " ، وكما هو في صحيح مسلم في " كتاب الحجّ " من رواية أنس بن مالك، فإنّ هذا لا ينكر، وكذلك فعل معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – وأمر أن توضع الشعرات في كفنه عند دفنه، وكذلك فعل كلّ من أخذ شيئا من متاع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، تبرّكا منه وحبّا للرسول، ولكن هذا الأمر انقضى في الزمان الأوّل أو في الزمان الذي يليه لانتهاء هذه الشعرات بدفنها في أكفان الذين أخذوها من الحلاّق .


ثمّ أقول لهؤلاء أين درع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وترسه وهما من الحديد وهما أعظم وأضخم بآلاف المرّات من الشعرة وهما أجلّ متاعا لاستعمالها في الجهاد في سبيل الله ونصرة دينه، وأين رماحه وقسيّه التي تكون أثبت في البقاء من شعرة تحتاج إلى ثاقب بصَر للتثبّت فيها، وأين مشط رسول الله الذي كان يمتشط به، وكان من العاج وهو أنفع وأفيد من شعرة وأين مكحلته ومرآته وقدحه، كلّها انقرضت وانقرض ما هو أعظم منها، ولم تحافظ الأمّة على شيء منها لأنّها لا تُساوي شيئا، فكيف تُحافظ على شعرة من شعره .
لقد حافظت الأمّة في بداية أمرها وأوج قوّتها على هديه وعلمه وأدبه وسيرته وتعاليمه للناس، ونقل الصحابة علوم الشريعة بضبط وإحكام .

وأعود فأقول لهؤلاء : أين خفّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونعله وأين الخمرة التي كان يصلّي عليها، ولو كان شيء حقيق أن يحتفظ به، لاحتـُفظ بهذه الخُمرة التي كانت تُبسط لسجوده، وأين هو فراشه، وأين هي وسادته التي كان يضع عليها رأسه إذا نام، وأين هي أثوابه وعباءته وبُرده وقميصه ؟ وكلّ هذه المذكورات أعظم مظهرا وأشدّ حاجة وأجلّ أثرا من شعرة، ولم يبق منها شيء .
ولكن الأمّة كلّما تردّت وهانت، تركت قيمها وشرائعها وتعلّقت بالشّعَر، تعلّقت بالتَفث الذي أمر الله تعالى عباده عند القيام بالمناسك بقضائه، قال تعالى " ثمّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نُذورهم وليطوّفوا بالبيت العتيق "  سورة الحجّ، آية 29 .

وقد قال أكثر أيمّة اللغة كأبي عبيدة والفرّاء والزجّاج : التفثُ هو قصّ الأظافر والأخذ من الشارب ونتف الآباط وكلّ ما يحرم على المحرم من حلق الشعر وتقصيره وغيره، وهذا هو قول عكرمة ومجاهد من أيمة التفسير وبه قال الحسن البصري وهو قول مالك بن أنس – رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم – وإذا كنتم تريدون الحديث عن " الشعرة " بإطلاق، فها أنا أخبركم عنها، ضرب بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم مثلا في الجسر المنصوب على جهنّم، الذي سيمرّ فوقه الخلق يوم القيامة، فقال " إنّ الجسر أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف ( صحيح مسلم : كتاب الإيمان 2- 3 ) وتحدّث النبيّ  صلّى الله عليه وسلّم عن عدد المسلمين بالنسبة إلى الكفّار يوم القيامة فقال : " ما المسلمون في الكفّار إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود " ( صحيح الترمذي : كتاب الجنّة 13 ) فآحرصوا أيّها المسلمون – وفّقكم الله - على العمل الصالح وبادروا به وآنشطوا لتحصيله، فإنّه حبل الله المتين الذي من تعلّق به نجا، ومن تمسّك به غنم، وآتركوا ما يُراج من خبر الشّعرة، فإنّ وراءها أهل الدّجل، وإنّها لا تُغني عنكم شيئا، فلا تتعلّقوا بالأوهام، وآعلموا أنّ الإيمان لا يحصل إلا بثلاث دعائم، اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان، فمّن اعتقد أنّ الشعرة سبيل النجاة، فلا كان، ولا كانت النجاة .


وأختم بما بدأت به، وهو أنّه غريبٌ أمرُ هذه الشّعرة  قصمت ظهر البعير وهي اليوم تقصم ظهر الأمّة .
ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم .

 بقلم: الدكتــــــور هشام قريسة




                              
dimanche 20 octobre 2013

الشيخ العوضي يستدل بالإسرائيليات



بسم الله الرحمان الرحيم

لقد تعودنا في هذا البلد الذي كان رائدا في العلم، أن يأتينا شهر رمضان وتأتي معه غرائب التفسير وعجائب القصص ومنكرات الأحاديث، ويشاء أناس قائمون على الثقافة والإعلام والتكوين الديني قبل الثورة وبعدها، أن يستمروا في تمرير هذه الرداءات على مسامعنا وأن يشحنوا بها عقولا كان الأولى تهذيبها وترقيتها وتلقينها المعارف الصحيحة والآداب النيّرة والقيم الفطرية النافعة ولم يكن هذا المقال الذي أنشره اليوم بين النّاس هو الأول في هذا الباب، فقد سبقت منّي مقالات كتبتها سنة 2006 و 2007 وما بعدها على صفحات الجرائد وأنا أستنكر على بعض الخطباء في المساجد، وعلى الدعاة والوعاظ أخبارا مزيفة وقصصا ركيكة يلقونها على مستمعيهم من دون أن يقدّروا مدى التجهيل والتضليل والتعمية وتفسيد الفطر والعقول التي تنشأ عن هذه العمايات التي تطمس نور العلم عن النّاس، فينتكس المجتمع ويتردّى إلى أسفل سافلين.

ولا يخفى أن المسؤولية في انتكاسة الأمة في عقليتها ومعارفها، مسؤولية أطراف عديدة، منها ما يتصل بهؤلاء القُصّاص الذين يَتّبعون غرائب الأخبار ورديئها من دون تمحيص ومن دون الاهتمام بما قاله فيها جهابذة العلم والمحققون منهم،  ومسؤولية المشرفين على الإعلام الديني المقروء والمسموع والمشاهد في اختيار وتقديم من يتولّى هذا الأمر العظيم والخطير في آن واحد، المتصل بثقافة الأمة وفكرها وآدابها، وكذلك مسؤولية السياسيين المتنفذين في البلاد في اختيار الأكفاء وأصحاب الثقافة النيّرة، والتدين السمح من المديرين ورؤساء المصالح وأهل الخبرة في الإعلام للإشراف على القنوات التلفزية والإذاعية والصحافة المكتوبة.

بعد هذا التنبيه أخلُص إلى ما سمعته في "قناة الزيتونة"، في مفتتح هذا الشهر المبارك من الداعية الكويتي نبيل العوضي في الحصة المتلفزة التي خصصها للحديث عن "الجنّ" وساق فيه قصة خلق آدم، وما كان من إغوائه وخروجه من الجنّة وهبوطه إلى الأرض ثم بعد هذا التلخيص لما جاء من حديثه ، أنبه على عظيم الزيف في الحكايات التي سردها وتشويه القصص القرآني بترهات وأخبار واهية مكذوبة منسوبة إلى السلف الصالح، أنكرها المفسرون والمحدثون على السواء، وليس الأمر يتعلق بما قاله في حصة بعينها فإن العقلية الخرافية لا تنجب إلا التفاهات المتكررة مع كل خطبة ومع كل حديث، فإن حبل الرداءة لا ينقطع عن العقلية المتردية المنتجة لذلك.
قال هذا الداعية المقتحم مجالسنا وبيوتنا إن الله سبحانه وتعالى خلق الجنّ قبل آلاف السنين من خلق الإنسان وأنه سبحانه أسكنهم الأرض وكانوا في حروب دائمة دامية بينهم فأرسل إليهم الملائكة يقاتلونهم حتى أطردوهم إلى جزائر البحار وقمم الجبال ومعهم إبليس الذي كان يسمى عزازيل وهو من قبيلة من الملائكة تسمىّ الجنّ وأنّه كان مخلوقا صالحا ولما أمره الله بالسجود لآدم رفض فحوّله شيطانا رجيما، وأطرده من الجنّة وأسكن آدم وزوجه الجنّة، فلمّا أراد إغواءهما دخل بطن الحية وتسلل إلى الجنّة وأغوى حوّاء بالأكل من الشجرة فأكلت وهي بدورها أغوت آدم فأكل منها .

وأبدأ بذكر الاعتراضات الموجهة لهذه الروايات ثم أذكر مصادرها وإنكار العلماء لها.

الاعتراضات:

أولها: ما جاء في كلامه من هذه التفاصيل في الأحداث السحيقة الموغلة في القدم وتواريخها وأسمائها وأماكنها وحيثياتها ممّا هو وأمثاله في القرآن غيب من الغيب الذي استأثر الله بعلمه وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه وطبيعته، فهذه الأخبار المفصلّة لا يوجد لها ما يدعّمها في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو مما لا يستطيع أن يحيط به الصحابة والتابعون إلاّ عن طريق النقل الصحيح المتصل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلّم وبما أنه لم يثبت ذلك عن صاحب الشرع بالنقل الثابت، فإنه لا يجوز الخوض فيه، ولا يجوز نسبة شيء إلى الصحابة لأنه افتراء وادعاء كاذب في الدين وهو من البهتان المهلك في النّار .

ثانيها: أنّ ابليسا كان مخلوقا صالحا، عابدًا قبل امتحانه بخلق آدم، هو عكس ما نقله القرآن والسنّة من صورة إبليس  الذي لا نعلمه إلاّ مخلوقا حقودًا وكائنا رجيما وشيطانا مَريدا ولا يمكن أن يُعرف صلاح أو طلاح إلاّ بعد التكليف والابتلاء ولهذا لم يتحدث القرآن عن إبليس إلا لما كلّف وعصى، فلمّا رفض الطاعة توضحت فطرته، التي كانت قبل التكليف والأمر فطرة خاوية لا شيء فيها، فالطاعة والمعصية إنما تتّصل بالاستجابة للأمر أو رفضه.

ثالثها: وأغربها ما ادّعاه هذا الداعية من أن الشيطان لما منع من دخول الجنّة وأراد إغواء آدم وزوجه دخل في بطن الحية وتسلل إلى الجنّة في غفلة من خزنتها فتمكن من إغواء حوّاء حتى أكلت من الشجرة وهي بدورها أغوت آدم وأنه أطاعها فيما أطاعت فيه الشيطان.    
إن أغلب الروايات التي اعتمد عليها نبيل العوضي ممّا رواه الطبري والثعالبي في تفسيريهما وما نقله بعض أهل الحديث كابن أبي حاتم والحاكم النيسابوري وعبد بن حميد، وأكثر هذه الروايات تتصل ببعض الإخباريين المولعين بالقصص الذين اتهموا إمّا بالكذب أو بالضعف أو بعدم التوثيق والتحري في الرواية كالسدي ومقاتل بن سليمان وعبد الملك بن جريج ومحمد بن إسحاق فهؤلاء وطائفة معهم من المتروكين والضعفاء من المشتغلين بالحديث والتفسير أفسدوا العلم بما خلطوه من الأكاذيب والترهات والأخبار الزائفة وكثير منها من الإسرائيليات والأباطيل المنقولة عن أهل الكتاب أمّا السدي فهو محمد بن مروان بن عبد الله الأصغر كوفي متهم بالكذب كما قال ابن حجر العسقلاني في ترجمته [انظر تقريب التهذيب ترجمة رقم 6284] 

وقال ابن كثير في "تفسير السدّي" عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عبّاس طورًا وعن ابن مسعود طورًا آخر "هذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ويقع فيه اسرائيليات كثيرة، فلعلّ بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة والله أعلم، والحاكم يروي في "مستدركه" بهذا الإسناد بعينه ويقول أشياء، ويقول على شرط البخاري [تفسير ابن كثير 1/105] وكان الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 404 هـ قد ادّعى في كتابه "المستدرك" أنه سيخرّج أحاديث على شرطي البخاري ومسلم وادّعى أنه استدرك أحاديث صحيحة تركاها، وليس له في صحة ما رواه إلاّ الادّعاء.

وما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في السدّي من أنه متهم بالكذب قاله الحافظ محمد بن علي الداووي في كتابه "طبقات المفسرين في ترجمة محمد بن مروان هذا المعروف بالسدّي الصغير" [ انظر رقم الترجمة 583 ص 470].

وأما مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي، الخراساني المفسّر المتوفي سنة 150 هـ، كذّبوه وهجروه ورُميَ بالتجسيم [انظر تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر ترجمة 6868 ص 476] [أنظر أيضا طبقات المفسرين للداودي ترجمة 642] وهجروه بمعنى تركوا رواياته، ورمي بالتجسيم أي رُميَ بفساد العقيدة، وهو أنّه يحمل أوصاف الخالق على أوصاف المخلوق (وهي عقيدة اليهود) و أما محمد بن إسحاق المطلبي المدني (تـ 150 هـ) صاحب المغازي فقد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والقطان واحتجوا بحديثه، ولم يخرّج له البخاري شيئا في "صحيحه" وكذلك مسلم وثقه ولكنّه لم يُخرّجْ له إلا حديثا واحدا من أجل طعن مالك بن أنس فيه [وفيات الأعيان لابن خلكان ج 4 ص 277]  

وأما عبد الملك بن جريج فقد سئل عنه مالك فقال "كان حاطب ليل" أي أنه لم يكن يتحرّى في مروياته [انظر سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي ج 6 ص 487] ولا يتثبت فيها، وهذه الكلمة "حاطب الليل" مثلٌ عند العرب لمن يجمع ما يُرادُ وما لا يُراد فالذي يحتطب في الليل قد تقع يده على ثعبان فيظنه عودًا، لأنه لا يراه، وكذلك حال من يجمع الصحيح والباطل من الأحاديث والمرويات قد يأتي بالمنكرات والترّهات . والعجيب في هذه المرويات والأخبار التي ذكرت عن إبليس لا تكون إلاّ برواية إبليس نفسه وقد قدّم لنا الوضاعون من المشتغلين بالتفسير ترجمة مستفيضة عن إبليس "CV" فيها نسبه واسمه وحيّه الذي كان ينتمي إليه وتاريخه البطولي في محاربة الجنّ حينما كان شهما صالحا وعن وظيفته فقد ادعوا أنه كان من خزنة الجنّة، بل كان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة كما ذكره عبد الرحمان بن أبي حاتم التميمي في "نفسيره" وكل هذه البيانات عن إبليس من محض الخيال والادعاء قال الحافظ ابن كثير " وقد روي عن ابليس آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها ومنها ما قد يُقْطع بكذبه لمخالفته للحقّ الذي بين أيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة، لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وُضِعَ فيها أشياءُ كثيرةٌ وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأيمة والعلماء والسادة والأتقياء والأبرار النّجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دوّنوا الحديث وحرروه وبينّوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه...[انظر البداية والنهاية ج 5 ص 128] 

وقد نقل ابن كثير روايات ممّا ساقه ابن جرير الطبري في "تفسيره" أنّ الله خلق خلقا فقال اسجدوا لآدم، فقالوا لا نفعل، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقهم ثم خلق خلقا ثانيا فأمرهم بالسجود فأبوا فبعث عليهم نارًا فأحرقهم وثالثا، قال ابن كثير "وهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده فإن فيه رجلا مبهما ومثله لا يحتج به والله أعلم [تفسير ابن كثير ج 1 ص 106].

ففي سند الحديث عن شريك عن رجل عن عكرمة عن ابن عبّاس، وقد تلهف الشيخ العوضي على هذه الروايات الغريبة، التي لا أصل لها، ينقلها ويتحف مسامعنا بروايتها بعدما قال فيها المحققون من أهل العلم ما قالوا.

وأما مسألة الحيّة التي استبطن الشيطان جوفها ليمرّ إلى الجنّة على حين غفلة من "رضوان" أحد خزنتها، فهذه من أعاجيب القصص التي لا يليق بالمسلم روايتها فضلا عن اعتقادها فإنها ممّا تحطّ من قدره وتغمز في عقيدته.

هذه الرواية من أنّه دخل في فم الحيّة إلى الجنّة هو عين ما جاء في التوراة[انظر تفسير ابن كثير 1/111] وقد ذكر فخر الدين الرّازي في "مفاتيح الغيب" أنّ هذه الرواية من كلام القصاص الذين رووا عن وهب بن منبه اليماني والسدي عن ابن عبّاس وغيره وأنّ الحية كانت دَابّة لها أربع قوائم كأنها "البختية" فلما فعلت ما فعلت، لُعِنت وسقطت قوائمها وصارت تمشي على بطنها وجعل رزقها في التراب ثم قال "واعلم أنّ هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحيّة فَلِمَ لا يقدر على أن يجعل نفسه حيّة ثم يدخل الجنّة، ولأنه لمّا فعل ذلك بالحيّة فَلِمَ عوقبت الحيّة مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة؟ [تفسير الرازي ج 3 ص 15 – سورة البقرة]
ووهب بن منبه هو أبو عبد الله الصنعاني الذماري من التابعين كان كثير الإخبار عن الكتب القديمة وهو مؤرخ عالم بأساطير الأولين ولا سيما الإسرائيليات وكان قد آتهم بالقدر وكان قد امتحن في كِبره، وضرب [الأعلام للزركلي ج 8 ص 125] وقد ذكر الدكتور كرد جواد علي في كتابه "تاريخ العرب قبل الاسلام (ج 1 ص 44) أن وهْبًا من أصل يهودي وكان يزعم أنه يتقن اليونانية والسريانية ويحسن قراءة الكتابات القديمة" ومن هنا دخلت هذه الروايات إلى كتب التفسير.

وكذلك حال كعب الأحبار، وهو من التابعين، كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، أسلم وقدم المدينة في زمان عمر بن الخطّاب، فأخذ عنه النّاس كثيرا من أخبار الأمم الغابرة، كما أخذ هو من الكتاب والسنة عن الصحابة، وقد توقف كثير من الصحابة في روايته عن الكتب القديمة من ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" وترجم له باب قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء" وساق روايات عن معاوية بن أبي سفيان وأبي هريرة وابن عبّاس – رضي الله عنهم جميعا – تُنبّه على هذا الأمر وعلى الاحتياط منه، من ذلك أن معاوية ذكر كعب الأحبار، فقال "إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنّا مع ذلك لنبلُوَ عليه الكذب [الجامع الصحيح كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة – باب قول النبيّ لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ج 9 ص 139]، فهذا الذي رواه البخاري أخذ به مالك من قبل ولذلك توقّف عن رواية " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فقال: " لم أسمع به من ثبت فأما ما كان من كلام حسن فلا بأس به [انظر كتاب الجامع لابن  عبد الحكم ص 70] وقد عللّ مالك توقّفه في هذا الحديث أن الأثبات من علماء المدينة لم يرووه وما منعهم من روايته إلا خوف ما يقع فيه النّاس والقُصاص من الأغاليط والأوهام التي تشوش عقيدة المسلم وتفسد عليه دينه وهذا الحديث "حدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج" أخرجه أصحاب السنن وتوقف فيه مالك لما يخشى على النّاس من روايته ولعلّ توقف العلماء الأثبات قبله من التابعين وغيرهم لهذا السبب، قال سفيان بن عيينة، ما رأيت أحدا أجود أخذًا للعلم من مالك بن أنس وما كان أشدّ انتقاءه للرجال والعلماء [الديباج المذهب لابن فرحون ص 64].

وقد تعلق الشيخ العوضي – غفر الله له – بمرويات عجيبة ذكرها بعض أهل التفسير ممن علم تعلقهم بهذه الاسرائيليات التي شحنت بها كتب اليهود والنصارى ولو كان في هذه الكتب خيرا، لانتفع بها أصحابها أولا ولكنّها كانت ضلالة، فما زادتهم إلا عماية وتخبّطا في الجهل ومن هذه الأعاجيب أنّ الله لمّا أمرهم بالهبوط فقال: "اهبطوا منها جميعا" وقال "اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قالوا الخطاب لآدم وزوجه وإبليس والحيّة، فنسبوا للحيّة الأمر والتكليف بالنزول، ثمّ  عيّنوا مواقع النزول فقالوا هبط آدم بالهند وحواء بجدّة والشيطان بالبصرة والحية بأصفهان وهذا ضرب من التخمين وقول بالأزكان ورجم بالغيب قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير القرآن الحكيم المعروف بتفسير المنار "وكل ما ورد في هبوط آدم وحواء من تعيين الأمكنة فهو من الإسرائيليات الباطلة [ج 1 ص 230] وكذلك الأمر المتعلق بالجنّة التي سكنها آدم وزوجه هل هي في السماء أو في الأرض  وما يتصل بتعيين الشجرة التي أكل منها آدم.
فقد نُقِلَ عن أبي منصور الماتوريدي في تفسيره المسمى "بالتأويلات" قال: " نعتقد أن هذه الجنّة بستان أو غيضة من الغياض كان آدم  وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها وهذا هو مذهب السلف ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنّة وغيرهم [تفسير المنار ج 1 ص 229].

ولم يعين الله تعالى لنا هذه الشجرة فلا نقول في تعيينها شيئا وإنما نعلم أن ذلك لحكمة اقتضته [ج 1 ص 229] وكان الإمام الجليل التونسي محمد بن عرفة في تفسيره قد أعرض عن ذكر هذه الترهات التي نقلها القُصّاص والإخباريون فقال في معنى الهبوط " الأمر لآدم وحوّاء وإبليس " واستشهد على ذلك بما نقله العلماء عن الحسن البصري -أعلى الله مقامه – قال: آدم وحوّاء والوسوسة .[ انظر تفسير ابن عرفة برواية تلميذه الأبي ج 1 ص 263].

وقال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور "والخطاب لآدم وزوجه وإبليس، والأمر تكويني،و به صار آدم وزوجه وإبليس من سكّان الأرض[التحرير والتنوير ج 8 تـ 2 ص 68] ، وفي خصوص تكبّر إبليس وعصيانه، بيّن أن الله تعالى خلق في نفس إبليس جبلة تدفعه إلى العصيان عندما لا يوافق الأمر هواه ورأيه فكانت جبلّته مخالفة لجبلّة الملائكة، وإنما استمر في عداد الملائكة لأنه لم يحدث من الأمر ما يخالف هواه، فلما حدث الأمر بالسجود ظهر خُلُقُ العصيان الكامن فيه [التحرير والتنوير ج 8 ق 2 ص 39] وفي مسألة وسوسة الشيطان قال: " فقد وزعت الوسوسة وتذييلها على السورتين[يقصد سورة البقرة وسورة الأعراف] على عادة القرآن في الاختصار في سوق القصص اكتفاءً بالمقصود من مغزى القصّة لئلا يصير القصص مقصدًا أصليا للتنزيل [التحرير والتنوير ج 8 ق 2 ص 59] ونجده – رحمه الله تعالى – قد أعرض عن ذكر هذه الإسرائيليات والأخبار الغريبة والمنكرة، فلم يذكرها أصلا، ولم يلطخ كتابه بها، فكان تفسيره تحريرا للعلم وتنويرا للعقول فجازاه الله على هذا العلم النافع خير الجزاء، وجعله في الصدّيقين، كما كان أعلام قبله في الأمة، نصحوا وأخلصوا عملهم، ونقّحوا علمهم فلم يرووا عن الأثبات الصالحين إلاّ ما كان حقا، وما كان نافعا وما كان صالحا للأمة، وقد قال الإمام الحافظ عبد الرحمان بن مهدي " لا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم، ولا يكون إماما في العلم من روى عن كل أحد ولا يكون إماما في العلم من روى كل ما سمع، قال والحفظ، الإتقان [التمهيد لابن عبد البرّ القرطبي ج 1 ص 64] وقد جاء عن رسول الله صلىالله عليه وسلّم  ذمّ الإكثار بدون تفقّهٍ ولا تحرّ فقال "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكلّ ما سمع" وفي الأثر "إن الذي يحدث بكلّ ما سمع لمجنون" قال أبو عمر بن عبد البرّ "الذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذمّ الإكثار، دون التفقه والتدبّر، والمكثر لا يأمن مواقعة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلّم لروايته عمّن لا يُؤْمَنُ [جامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 122].
فاتقوا الله أيها الدعاة والوعاظ والخطباء فيما تنقلونه للناّس، فإن هذا العلم دين، وانظروا عمّن تأخذون دينكم، وعليكم بالعتيق، المحرّر المصفّى، الذي له نور من نور الله لا تخطئه فراسة المؤمن، وعليكم بعلم من شهد المسلمون بعلمهم وإتقانهم واتركوا غرائب القصص ومنكرات الأخبار فإن عليها ظلمة كظلمة الباطل، وقفوا عند حدود ما وقف عنده نصّ الكتاب والسنّة الصحيحة وعليكم بالمعروف المنتشر عند أهل العلم من هذه الأمة، فإنها لا تجتمع على ضلالة.    

بقلم: الدكتــــــور هشام قريسة



mercredi 18 septembre 2013

بيان من الدكتور هشام قريسة نائب رئيس جامعة الزيتونة عن رفضه عضوية المجلس الإسلامي الأعلى: تشريف أو تكليف ؟

بسم الله الرحمان الرحيم

لا شكّ أنّ الانتساب إلى مجلس إسلاميّ، يوصف بأنه أعلى يستلزم تحمل مسؤولية علمية ثقيلة تتمثل في النظر في كل المسائل التي تعرض عليه من جهة السلطة التنفيذية والمتعلقة بالنواحي الفقهية والاجتماعية للأمة ومن أهداف هذا المجلس إصدار الأنظار والمعارف والمواقف الملائمة للشرع والمُحصّنة للأمة في عقائدها وقيمها وتشريعها.

ولا شك أن هذه الالتزامات الملقاة على كاهل المنتسب لهذا المجلس، هو تكليف ومسؤولية وأمانة، سيسأل عنها وسيحاسب عليها، ولن تكون أبدا تشريفا كما يتصوّرها اللاّهثون وراءها .

ولا شك أن كل عاقل، بصيرٍ  بهذا الأمر- وما أقلهم في هذا الزمان - لا يندفعون إلى عضوية هذا المجلس، لِمَا يعلمون من جسامة الأمر وعظيم الأمانة وخطر المسؤولية، ولا يرَوْنه تشريفًا وكيف تكون تشريفا وهي للقاصر عن مرتبتها، العاجز عن تحمّلها خزيٌ وندامة – كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقها.

ولا شك أن الذي يكون في وسع من أمره أي لم تتعين فيه، ولم يُلْزَمْ إلزامَ الوجوب والولاية ، لا يسارع إليها ولا يَسْتبشِر بعُضْويّتها لأن الحومان حولها وحول كلّ مسؤولية تتصل بالسياسة في هذا الزمان، مُوقعٌ في شِرَاكِ الفتن.
ولا شكّ أن الزهد فيما يتنافس فيه الناسُ اليوم، ويتكالبون عليه وُيوَسّطون غيرهم فيه، ويتبادلون في تحصيله التهاني، لا شك أن التلهّي عنه هو عين الصواب وقصد الرشاد.

إن الناس - لظلمهم وجهلهم-  لظلمهم لأنفسهم في التشوُّف للمسؤولية ولجهلهم بمتطلباتها، يرون الانتساب إلى المجلس الإسلامي الأعلى تشريفا يحظون به جزاءً لانتسابهم للإسلام ولانتسابهم إلى حركة إسلامية أو حزب إسلامي، ويَرَوْنَ كمكافأة على انتسابهم السياسي أو المذهبي،أن يَحْظَوْا بالمراتب ويُجَازَوْا بالرتب يَمُنّ بها عليهم من يقدمون له الولاء السياسي.
إنّ الناس يرون المناصب والرئاسات والعضويات في المجالس المختلفة امتيازا يُكمّلون به شخصياتهم التي ينقصها هذا الاعتبار، فإذا ما كلفوا فرحوا، واستبشروا وقبلوا التهاني واسْتبْطنوا ما يشعر به الناس نحوهم من أنهم محظوظون وهو يقولون في أنفسهم " يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظ عظيم " القصص 79.

ولكن أهل العلم، الصادقين مع أنفسهم، المدركين لجسامة الأمانة،لا يفرحون ولا يستبشرون حتى يؤدوا المسؤولية على أحسن وجه  وقد روى أبو داود عن مسعر قال : ليتني صليت فاسترحت ، فكأنهم عابوا عليه ذلك " فقال سمعت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا بلال أقم الصلاة أرِحْنَا بها" سنن أبي داود – كتاب الأدب – باب في صلاة العتمة، حديث 4985 ج 4 ص 298.

وإن الناظر في قائمة الأشخاص الذين يمثلون المجلس الإسلامي الأعلى، يلحظ خروقات على مستويات عديدة 
أولها أن طائفة من الذين وقع تعيينهم ليسوا من ذوي الاختصاص والتمكن في العلوم الإسلامية، فنجد أشخاصا ليسوا من المختصين في العلوم الإسلامية، المشتغلين بها، وكان الأولى أن يُعَدّوا من ذوي الخبرة الذين يستعان بهم في اختصاصهم سواء كانوا في الطب أو الاقتصاد أو علوم الاجتماع أو النفس أو التاريخ أي أن يكونوا خبراء ولا يكونوا أعضاء وإن نظرة عاجلة على تركيبة اللجنة المختارة لسنة 1989 م تبين أن الأعضاء كلهم من ذوي الاختصاص الشرعي.

كما أننا نجد من أعضاء المجلس أفرادا من ذوي الاختصاص الشرعي ولكنهم ليسوا من ذوي التمكن من العلوم الإسلامية، أي منهم من لم يحصل إلا على الأستاذية أو الإجازة في الشرعيات في حين أننا نجد طائفة من المتحصلين على شهادات الماجستير والدكتوراه ولهم خبرة في التدريس والتأليف والمشاركة في الندوات العلمية والملتقيات مغيبون عن هذا المجلس  
إن من شرط المجالس العلمية أن يكون أعضاؤها متكافئين في العلم والتحصيل والشهادة حتى تكون المشاركة متكافئة، لا أن يبحث ويحقق في المسائل واحدٌ ويكتفي الآخر بالموافقة.

إن اختيار أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى يجب أن يكون على أساس الكفاءة والقدرة على الإفادة العلمية، لا على أساس الولاء السياسي أو الانتماء الجهوي، وإن المدقق في هذه القائمة المعروضة يلحظ أن اختيار كثير من أعضائها قائم على هذين الاعتبارين وإنه لمن المؤسف أن يقع الانزلاق إلى هذه المطبات، وأنه لم يقع التفطن إلى ذلك، ولم يقع تقدير كافٍ للمسؤولية ولم يقعْ نصحٌ من الذين استشيروا، فقد أشاروا عن هَوًى واختاروا عن هَوًى.

الثاني وهو مهم أيضا أن لا يقع تحميل مسؤولية على مسؤولية أي أن لا يكون هناك ازدواج في المسؤولية. فإن طائفة من أعضاء المجلس لهم مسؤوليات في المجلس التأسيسي هم مشغولون بها ، و منهم من له مسؤولية حزبية أو حركية، فإن كلا الطرفين لا يصلح في المسؤولية الاجتهادية والنظر العلمي، لأن العلم لا يناسبه التسييس ولا التحزب وهذا مدرك في حضارتنا الإسلامية، فإن كبار الفقهاء والعلماء في الأمة لم يكن لهم نشاط سياسي أو قضائي أو حزبي وإنما غاية مُنَاهُمْ النظر، والتفكر في قضايا الواقع ومشاغل الناس وإيجاد الفتاوى الشرعية المناسبة لذلك.

واعتبارا للتشابك في الوظائف والتداخل في المسؤوليات، واعتبارا للبعد الحزبي والانتماء الجهوي للقائمين على هذه المؤسسات، واعتبارا لتدافع الناس غير المهيئين لهذه المسؤوليات لكل هذا وغيره ممّا لم أكشف عنه، فإنني زاهد في الانتساب إلى هذه المؤسسة لما وَصَفْتُ وذكرت، فإن تغير الحال كان لي بعد ذلك مقالٌ، فإما إلى وِصالٍ وإنما إلى انفِصَالٍ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.        

 بقلم: الدكتــــــور هشام قريسة
samedi 27 avril 2013

إفادات "أبي حامد الغزالي" في علم أصول الفقه من خلال كتابه-المستصفى


بسم الله الرحمان الرحيم
مثل الإمام الغزالي قطبا في اهتمامات العلماء و مشاغل الناس و قل منهم من عاصره أو جاء بعده ولم يكن له موقف منه بالموافقة أو المخالفة،ألّف في العلوم المزدهرة في عصره وناقش المذاهب و الفرق المختلفة في العقائد و الأصولو الفقه و الفلسفة و التصوف و غيرها، وردّ على كل مذهب كلامي أو فقهي رأى فيه شططا أو قصورا أو حيادا عن العقل و المنطق و إنما الذي يهمنا من شخصيته الجانب الشرعي الأصولي حتى نقف على إفاداته و آرائه الأصولية من خلال كتابه "المستصفى" و هو كتاب وصفه بالـمتوسط فلا هو مـبسوط كـكتابه"تهذيـب الأصول" و لا هو مختصر ككتابه"المنخول" ألّفه في أواخر حياته بعد نضج عقليّ و استكمال معرفيّ بما يؤشر أنه من أحسن ما كتب في العلوم الشرعية و أساسا في علم أصول الفقه .
افتتح كتابه بالحمد الذي يبدأ به أول الكلام ثم وصف الله تعالى بأوصاف القدرة و النصرة و اللطف و القهر و منها أنه جعل العقل أرجح الكنوز و الذخائر (1) وفي هذا الجعل تطرق إلى بيان دور العقل و تكريمه وانه الحاكم الضروري و الواجب وجوده و أنه يمثل مع الشرع الذي هو شاهد، طرفي التحكيم المعرفي يقول :"أما بعـد فقد تـناطق قاضي العـقل وهو الحـاكم الذي لايعزل
و لا يبدّل و شاهد الشرع وهو الشاهد المُزكّى المعدّلُ بأن الدنيا دار غرور لا دار سرور و مطية عمل لا مطية كسل كما بين أن العقل هو اشرف الأشياء لأنه مركب الديانة و حامل الأمانة (2) وعلى هذاالأساس تتميز الإفادة الأولى.

الإفادة الأولى: تقوية دور العقل في معرض الاستدلال وفي معرض الاحتجاج للحكم الشرعي وتقديمه على الصيغ اللفظية:

 ففي بيان معنى الواجب، يقول : "الواجب وهو العزم على الفعل وأن ضدّه هو العزم على التّرك، حرام و ما لا خلاص من الحرام إلا بهف هو واجب ثم قال: " فهذا الدليل (القول بالعكس) قد دل على وجوبه وإن لم يدل عليه مجرّد الصيغة من حيث وضع اللسان ودليل العقل أقوى من دلالة الصيغة (3) وفي بيان أن العقل شرط التكليف يقول : "وشرطه أن يكون عاقلا، يفهم الخطاب، فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة، بل خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال وشرط القصد، العلم بالمقصود و الفهم للتكليف، فكل خطاب متضمن للأمر بالفهم فمن لا يفهم كيف يقال له افهم (4) فإن قيل قد وجبت الزكاة والغرامات والنفقات على الصبيان، قلنا ليس ذلك من التكليف في شيء، إذ يستحيل التكليف بفعل... وإنما المحال أن يقال لمن لا يفهم افهم، وأن يخاطب من لا يسمع ولا يعقل، وأما أهلية ثبوت الأحكام فــي الذمــة فــمستفاد من الإنسانية.

-----------------------------------------------
1-  المستصفى: ص 2
2-  المستصفى: ص 3
3-  المستصفى: 1/70
4-  المستصفى: 1/83
 -----------------------------------------------

 التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به فهم التكليف في تأتّي الحال حتى إن البهيمة لما لم تكن لها أهلية فهم الخطاب بالفعل ولا بالقوة لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ذمتها...(1).
تكليف الناسي والغافل عما يكلف محال "إذ من لايفهم، كيف يقال له افهم... وكذلك تكليف السّكران الذي لا يعقل محال كتكليف الساهي والمجنون والذي يسمع ولا يفهم:(2).
وفي أكثر من مبحث تعرّض لذكر دور العقل وتحديد مجاله،يقول في" مبحث الأدلة".
أدلة الأحكام أربعة:
-        الكتاب
-        السنة
-        الإجماع
-        دليل العقل المقرر على النفي الأصلي
بمعنى أن العقل لا يدل على الأحكام الشرعية، بل يدلّ على نفي الحكم عند انتفاء السمع فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تًجوّزٌ(3)
وفي حديثه عن الأصل الرابع : وهو دليل العقل والاستصحاب، يفصّل دور العقل في الأحكام الشرعية فيقول: " اعلم أن الأحكام السمعية لاتدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات، ذلك أن النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها.
أما اثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه، وأما النفي فالعقل قد دلّ عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي فانتهض دليلا على أحد الشطرين وهو النفي.
إن عدم العلم بالدليل ليس بحجة والعلم بعدم الدليل حجة ويضرب لذلك مثلا كالذي يقدر على التردد في بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع أو يدّعي غلبة الظن، أما الأعمى الذي لا يعرف البيت ولا يبصر ما فيه،فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت(1) إن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يدل دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع(2). وعلى أساس هذه الإفادة الأولى أسس الإفادة الثانية.

الإفادة الثانية :امتزاج العقل والنقل في علم أصولالفقه:

وهو أن أشرف العلوم ذاك العلم الذي امتزج فيه العقل و السمع و اصطحب فيه الرأي و الشرع  فإنه في  تقسيمه للعلوم جعلها ثلاثة وهي :
·    عقلي محض: لا يحث الشرع عليه و لا يندب إليه وهو علم بلا أخلاق و لا قيم والمقصود بعدم  الحث أنه لايُندب الناس إليه منفردا فإن كان يطلب مع غيره من العلوم الأخرى فلا ضرر منه كالعلوم الرياضية و الفيزيائية و غيرها.
·    و نقليّ محض كالأحاديث و التفاسير يكفي فيها قوة الحفظ وليس فيها مجال للعقل.
·    ما ازدوج فيها العقل و السمع، و علم الفقه و أصوله من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو الشرع و العقل سواء السبيل فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول و لا هو مبنيّ على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد ولذلك فهو أشرف العلوم.

-----------------------------------------------
1-  المستصفى: 1/84
2-  المستصفى: 1/84
3-  المستصفى: 1/100
-----------------------------------------------

و هذه دعوة إلى الالتفات إلى أفضلية هذا العلم لجمعه بين المنقول و المعقول، بعد أن تظافر عند طائفة من علماء أصول الدين و العقيدة أن علم النظر و العقل الذي هو علم الكلام هو أشرف العلوم فأراد الغزالي أن ينبه على حقيقة بارزة أن العلماء الكبار الذين أثروا في الحياة الإسلامية في مختلف جوانبها و كان لهم حضور علمي بارز هم علماء الاجتهاد في الفقه و أصوله منأعلام الصحابة و التابعين و أصحاب المدارس الفقهية كأبي حنيفة و مالك و الأوزاعي و الثوري و الشافعي و أحمد و منجرى على مذاهبهم و سنتهم في العلم و الفضل و لذلك قال الغزالي في صدر كتابه "ولأجل شرف علم الفقه وسببه وفّر الله دواعي الخلق على طلبه و كان العلماء به أرفع العلماء مكانا و أجلهم شأنا و أكثرهم أتباعا و أعوانا فتقاضاني في عنفوان شبابي اختصاص هذا العلم بفوائد الدين و الدنيا و ثواب الآخرة و الأولى و أن أصرف إليه منمهلة العمر و أن أخص من متنفس الحياة قدرا فصنفت كتبا كثيرة في فروع الفقه و أصوله ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة و معرفة أسرار الدين الباطنة " فتجده ألّففي المقاصد والتصوف وأسرار الدين ومعاني القرآن كتبا بعد أن تضلّع في الفقه وأصوله و كأنه يشير إلى أن التأليف في هذه العلوم الدقيقة المترامية الأطرف الآخذة بمعاني الحقائق الشرعية يجب أن تؤسس على علم الفقه و أصوله، ويكون البحث فيها بعد تحصيل الفقه والأصول والنبوغ فيه، وأن العلوم الإسلامية انتكست واضطربت لأن الناس حاولوا أن ينطلقوا من أطراف العلوم الشرعية لا من أسسها وقواعدها.
ولذلك كان علماء القرون الثلاثة الأولى من الإسلام على اطّلاع واسع بمختلف العلوم الشرعية ولهم فيها أقوال مأثورة وعبرٌ منقولة، لأنهم انطلقوا في تحصيل المعرفة من حيث يجب الانطلاق وانتهوا إلى حيث يجب الانتهاء وهذا اعتراف منه، بأن علم الكلام دونه، لا كما ذهب إلى ذلك شيخه الجويني.
فعلم الفقه وأصوله جمع بين الرفعة والشرف وكثرة الأتباع وحاجة الناس إليه، وهذا لا يتوفر في العلوم الشرعية الأخرى حتى ولو كانت علوم الآثار والسنن أو علوم القراءات والتفسير، لأن هذه العلوم حاصلة في الفقه وليس علم الفقه وأصوله حاصل فيها فعلم الفقه يستوعبها ولا تستوعبه، ويشملها ولا تشمله. و في الحديث الصحيح " فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" وحامل الفقه هوالمحدّث.
و في إطار بيان شرف علم الفقه، ولما تطرق إلى تعريف علم أصول الفقه ذكر تعريفين:

الأول: تعريف باعتبار الإضافة: أي بإضافة الأصول إلى الفقه(وهذا هو اختياره).
الثاني: تعريف باعتبار اللقب: أي باعتباره علما مستقلا.

وفي التعريف الإضافي، يكون علم الأصول قد اكتسب قيمته وأهميته باعتبار انبناء الفقه عليه، فعلم الفروع هو المقصود، وهذا الاختيار من الغزالي في تعريف الفقه باعتبار الإضافة، هو ما اختاره أكثر الأصوليين من مختلف المذاهب قبله، في النظر إلى الأصول على أنها خادمة في تحصيل الفقه.
والدليل على ذلك، ما ذكره أبو إسحاق الشيرازي وهو من أيمة الشافعية ت 476هـ، قال: "وأما أصول الفقه فهي أدلة الفقه"(1).
وما ذكره أبو الوليد الباجي وهو من أيمة المالكية وهومعاصر لشيوخ الغزالي يقول: "الفقه معرفة الأحكام الشرعية، وأصول الفقه ما انبنت عليه معرفة الأحكام الشرعية" (2).

الإفادة الثالثة: المنهج التدريسي والتقريري في كتابه - المستصفى:

ففي (صدر الكتاب) يقول "اعلم أن هذا العلم الملقب بأصول الفقه قد رتبناه وجمعناه في هذا الكتاب وبنيناه على مقدمة وأربعة أقطاب(3).
وفي (بيان حد أصول الفقه) يقول "اعلم أنّك لا تفهم معنىأصول الفقه ما لم تعرف أولا معنى الفقه(4).
وفي (بيان مرتبة هذا العلم ونسبته إلى العلوم)، يقول:"اعلم أن العلوم تنقسم إلى عقلية كالطب والحساب والهندسة وليس ذلك من غرضنا، و إلى دينية كالكلام والفقه وأصوله وعلم الحديث وعلم التفسير وغيرها(5).
وفي (بيان كيفية دورانه على الأقطاب الأربعة) يقول: "اعلمأنك إذا فهمت أن نظر الأصولي... لم يخف عليك أن المقصود...(6)
وفي (بيان حد أصول الفقه) يقول: "فإذا فهمت هذا،فافهم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالتها علىالأحكام"(7).
·     فأسلوبه تقريري،قائم على تداعي الأفكار وتسلسلها وترابطها وإفضاء بعضها إلى بعض. ويظهر ذلك منقوله :"اعلم أنك إذا فهمت... لم يخف عليك أن المقصود..."
·     ومنهجه في التأليف مدرسي يقوم على طريقة تحديد محاور البحث وعناصر الموضوع والتمهيد له بمقدمة، يذكر فيها العلم الذي سيبحث فيه مع ذكر التعريف اللغوي والاصطلاحي،وعلاقته بسائر العلوم الشرعية الأخرى وبيان الفرق بينها ثم يتطرق إلى بيان أقسامالعلم الذي يبحث فيه، وتحديد الفوارق بين هذه الأقسام ثم يذكر لماذا بدأ بهذا العلم قبل ذكر الأقسام الأخرى.
يقول : القطب الأول في الأحكام والبداءة بها أولى لأنهاالثمرة المطلوبة، القطب الثاني في الأدلة، وبها التثنية، إذ بعد الفراغ من معرفةالثمرة لا أهمّ من معرفة المثمر8.

-----------------------------------------------
1-  شرح اللمح: 1/161
2-  إحكام الفصول فصلبيان الحدود ص 171.
3-  المستصفى ص 4
4-  المستصفى ص 4
5-  المستصفى ص 5
6-  المستصفى ص 7
7-  المستصفى ص 5
8-  المستصفى ص 8
-----------------------------------------------

·     طريقة التذكيروإعادة التنبيه على المسائل، والعود في مخاوضتها ومراجعتها والحديث عنها بألفاظمتجانسة وشروح متقاربة، وهي مواصفات المنهج التدريسي، فكأنه حين يكتب، يتكلم فيدرس أو محاضرة علمية أمام الطلبة مثال ذلك ( فإذا فهمت هذا، فافهم أن أصول الفقهعبارة عن أدلة هذه الأحكام) وكذلك قوله (اعلم أنك إذا فهمت... لم يخف عليك أنالمقصود معرفة كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، فوجب النظر في الأحكام ثم فيالأدلة وأقسامها ثم في كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة ثم في صفات المقتبس الذي لهأن يقتبس الأحكام، فإن الأحكام ثمرات فلها صفة وحقيقة والثمرة هي الأحكام، فإنجملة الأصول تدور على أربعة أقطاب، القطب الأول) وقد كان أشار إلى هذه الأقطابفيما مضى من المباحث، وهذا منه مقصود لترسيخ هذه العلوم النظرية المتصلة بعلم أصولالفقه، الذي هو علم صعب التحصيل على الطلبة، ولذلك لم يكن يدرس بالزيتونة إلاّ فيالمرحلة الثانية من التعليم العالي بعد تحصيل علوم الفقه والحديث والتفسير وغيرها.
ثمهو في مبحث بيان كيفية اندراج الشُعب الكثيرة من أصول الفقه تحت هذه الأقطابالأربعة بيّن لماذا حصر علم أصول الفقه في هذه الأقطاب الأربعة، ومدى اشتمال هذاالعلم على أبواب كثيرة وفصول منتشرة، ويذكر تحت كل قطب ما يتصل به من مباحثوتفريعات ومسائل ومدى ارتباطها بهذا القطب1 وطريقته في بحث القضايا تنمّ عنامتلاكه لمنهجيّة علمية محكمة تتصل فيها المباحث بفصولها وتتصل الفصول بأبوابهاالتي تتجانس معها، وتتصل الأبواب بأقطابها، هذه الأقطاب التي حددها في مقدمة كتابهوبيّن أن البحث سيتركز فيها.
ثمفي عرضه لهذا الاسترسال وترابط المباحث والمطالب بعضها ببعض، يشير إلى جملة منتفاريق الأصول أوردها الأصوليون مبددة في مواضع شتى لا تتناسب ولا تجمعها رابطة،وذكر أن الطالب لا يهتدي إلى مقاصدها ووجه الحاجة إلى معرفتها وكيفية تعلقها بأصولالفقه2 فكأنه يُلمّحُ إلى اضطراب في منهجية التأليف عند بعض الأصوليين،فكتاباتهمبهذه الطريقة المبدّدة للمعارف والمشتتة لها، تُعسّر العلم ولا تُيسره، وتدخل علىالطالب العنت فلا يهتدي إلى ترابط الأفكار والمعاني، فالرجل متناسب مع شخصيته كمدرّس،وفيّ لهذه الشخصية التعليمية، يراعي في تأليفه وخاصة في كتبه الأصولية – قدراتالطالب وإمكاناته العلمية وحدود معرفته ولذلك نجده يؤسس للعلم بتوطئة المباحثوتفريع الأقسام وتيسيرها وربط المسائل بعضها ببعض والتذكير بها، مع تجنب الإغراب وانتقاءالألفاظ المناسبة لما يتكلم فيه.

-----------------------------------------------
1-  القطب هو مجمعالبحث
2-  المستصفى ص 8.
-----------------------------------------------

الإفادة الرابعة: ضرورة تخليص علم أصول الفقه من المباحث المجانبة له:

نقد الغزالي الأصوليين من المتكلّمين لحشرهم مباحث لاتتصل بأصول الفقه فهو في مبحث (بيان المقدمة ووجه تعلق الأصول بها) بيّن أن الأصوليين حينما شرعوا في بيان حد العلم، والدليل والنظر (1) لم يقتصروا على تعريف صور هذه الأمور، ولكن انجر بهم إلى إقامة الدليل على إثبات العلم على منكريه من السفسطائية(2) وإلى إقامة الدليل على النظر على منكري النظر من الظاهرية، وإلى جملة من أقسام العلوم وأقسام الأدلة، وذلك مجاوزة لحد هذا العلم وخلط له بالكلام(3) وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طباعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة كما حمل حبّ اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول فذكروا فيه من معاني الحروف ومعاني الإعراب جملا هي من علم النحو خاصة وكما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد الدبوسي – رحمه الله-وأتباعه على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع فقد أكثروا فيه وعذر المتكلمين في ذكر حد العلم والنظر والدليل في أصول الفقه أظهر من عذرهم في إقامة البرهان على إثباتها على المنكرين وإنما مؤاخذته الأصوليين في إسرافهم في خلط هذه المسائل بالأصول وإلا فإنه لا مانع من الإشارة إليها، والاقتصار على ما تظهر فائدته منها يقول:"وبعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط، فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه لأنّ الفطام عن المألوف شديد والنفوس عن الغريب نافرة، لكنا نقتصر من ذلك على ما تظهر فائدته على العموم في جملة العلوم من تعريف مدارك العقول وكيفية تدرّجها من الضروريات إلى النظريات على وجه يتبين فيه حقيقة العلم والنظر والدليل وأقسامها و حججها تبيينا بليغا تخلو عنه مصنفات الكلام(4).
وقد خصّ كل هذه المدارك (البراهين والحدود) في مقدمة الكتاب التي جاءت بعد "صدر الكتاب"(5) وذكر أنها ليست خاصة بعلم أصول الفقه ولا مقدماته، بل هي مقدمة العلوم كلّها و"أن من لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا"(6) وأنه من شاء أن لا يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول (الأحكام) وهذا أوضح دليل على أنه صنف هذا الكتاب لطلبته.
وقال في الفن الثاني من دعامة الحد في الامتحانات للقوانين
وقد أكثرنا أمثلتها في كتاب"معيار العلم" و "محك النظر" ونحن الآن مقتصرون على حد العلموحد الواجب، لأن هذا النمط من الكلام دخيل في علم الأصول فلا يليق فيه الاستقصاء.

-----------------------------------------------
1-     باعتبار أن علم أصول الفقه: هومعرفة أدلة الأحكام وطريقة اقتباس الأحكام منها احتاج الأمر إلى بيان العلموالدليل والنظر.
2-  انظر ما قالهالجويني في البرهان.
3-  أي بعلم الكلام
4-  المستصفى 1/10
5-  وتقع المقدمة فيخمس وأربعين صفحة (من الصفحة 10 إلى الصفحة55)
6-  المستصفى 1/10
-----------------------------------------------

الإفادة الخامسة: الأصل في العلوم الشرعية اعتبار المعاني لا المباني


يقوم تأسيس المفاهيم الأصولية عند الغزالي على فكرة أساسية وهي لا مشاحة في الاصطلاح إذا كان المعنى الذي تؤدي إليه هذه المفاهيم محل اتفاق وتقارب في تحديد الجنس والحقيقة وهذه الفكرة الأساسية تعترض في كثير من مسائل الكتاب، يبرز فيها أن العبرة في المسائل الأصولية تستخلص من المعاني لا من الأسامي، ولذلك نجده ينقد التوجه الشكلي في الفقه الإسلامي، والذي أسست له المدرسة الظاهرية.
وسأورد نماذج من هذه السياقاتالتي لا تحجر الوقوف على الألفاظ، ففي الفن الثاني المتعلق بأقسام الأحكام الشرعية يتحدث عن حد الواجب فيقول: قال قوم: "إنه الذي يعاقب على تركه"، فاعترض عليه بأن الواجب قد يعفى من العقوبة على تركه ولا يخرج عن كونه واجبا، لأن الوجوب ناجز و العقاب منتظر وقيل : "ما توعّد بالعقاب على تركه" فاعترض عليه بأنه لو توعّد لوجب تحقيق الوعيد فإن كلام الله تعالى صدق ويتصور أن يُعفى عنه ولا يعاقب،وقيل " ما يخاف العقاب على تركه" ثم يعرض لمفهوم الفرض والواجب ويراهما مترادفين – كما هو قول الجمهور- ثم يذكر تفريق الحنفية بينهما من حيث الدليل لا منحيث الحكم ثم يعلق على هذا التفريق بقوله: "ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعاني"(1) وفي بيان وصف السبببالصحة والبطلان والفساد يعرض لمفهوم "الصحة" عند المتكلمين وعندالفقهاء، فعند المتكلمين "الصحيح هو عبارة عما وافق الشرع وجب القضاء أو لميجب" وعند الفقهاء عبارة عما أجْزأ وأسقط القضاء فمن صلى وظن أنه متطهرفصلاته صحيحة في اصطلاح المتكلمين لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد فلا يشتق منه اسم الصحة و هذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء لأنها غير مجزئة "ثم يقول" وهذه الاصطلاحات وإن اختلفت فلا مشاحة فيهاإذ المعنى متفق عليه"(2).
وفي"حد البيان" قال هو عبارة عن أمر يتعلق بالإعلام و إنما يحصل الإعلام بدليل والدليل محصل للعلم فههنا ثلاثة أمور: إعلام ودليل به الإعلام وعلم يحصل منالدليل فمن الناس من جعله عبارة عن التعريف والإعلام فقال في حده: "هو إخراج الشيء من حيّز الإشكال إلى حيّز التجلّي" ومن الناس من جعله عبارة عن الدليل فقال في حدّه: " إنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه " ومنهم من جعله "عبارة عن نفس العلم وهو تًبيّنُ الشيء" فكأن البيان عنده والتبيين واحد ثم قال: ولا حجر في إطلاق اسم البيان على كل واحد منهذه الأقسام الثلاثة إلا أن الأقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكرهالقاضي إذ يُقالُ لمن دَلّ غيره على الشيء بيّنه له(3).

-----------------------------------------------
1-  المستصفى: 1/66
2-  المستصفى 1/94-95
3-  المستصفى 1/365
-----------------------------------------------

وفي المبحث الثالث: فيما يتعلق بفهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب، ففي قوله تعالى "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجّار لفي جحيم(1)، أي لبرّهم وفجورهم وكذلك كل ما خرج مخرج الذم والمدح والترغيب والترهيب وكذلك إذا قال " ذم الفاجر وامدح المطيع وعظم العالم فجميع ذلك يفهم منه التعليل من غير نطق به وهذا قد يسمى إيماء وإشارة كما يسمى فحوى الكلام ولحنه وإليك الخيرة في تسميته بعد الوقوف على جنسه وحقيقته(2).
وفي المبحث الذي عقده في فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب من قوله تعالى "فلاتقل لهما أُف ولا تنهرهما"3 ثم قال :" وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة وقد يسمى فحوى اللفظ ولكل فريق اصطلاح آخر فلا تلتفت إلى الألفاظ واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس (4) وفي بيان مفهوم المخالفة قال : " وربّما سمي هذا دليل الخطاب ولا التفات إلى الأسامي(5).
ويردّ على الظاهرية في عدم الأخذ بدلالة الاقتضاء. ففي مسألة "المسافر يقضي الصوم" أورد مذهب أهل الظاهر ورذّ عليه لأنهم أخذوا بمبنى النص من دون أن يعتبروا ما دل عليه الكلام اقتضاء،حتى يصح معناه أو يصدق ومن دون اعتماد ما نقل عن صحابة رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول: " مذهب أصحاب الظاهر أن المسافر لا يصح صومه في السفر لقوله تعالى: "فعدةٌ من أيام أخر"(6)، فلم يأمر إلاّ بأيام أخر وهو فاسد، لأن سياق الكلام يفهمنا إضمار الإفطار ومعناه من كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، كقوله تعالى "فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه"(7)... يعني فضرب فانفجرت، ولأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
في السفر كانوا يصومون ويفطرون ولا يعترض بعضهم على بعض،كما نقد أيضا في نفس المسألة مذهب أبي الحسن الكرخي (وهو من الحنفية) الذي قال إنالواجب أيام أخر ولكن لو صام رمضان صحّ، وكان معجلا للواجب كمن قدم الزكاة على الحول وهو فاسد، لأن الآية لا تفهم إلا الرخصة في التأخير وتوسيع الوقت عليه،والمؤدي في أول الوقت الموسع غير معجل، بل هو مؤدّ في وقته(8).

الإفادة السادسة: مناقشة الأصوليين والمتكلمين

لا يكاد يوجد مبحث أو فصل أو مطلب في كتابه "المستصفى"من دون أن يتعرض فيه لعلماء الكلام أو الأصول أو الشريعة المخالفين لاختياراتهالأصولية، وكتابه مشحون بمناقشة هؤلاء مع نقل آرائهم والردّ عليها، وعلى رأسهمأيمة المذاهب الفقهية وأصحابهم كمالك وأبي حنيفة وكذلك مناقشة المتكلمين منالمعتزلة في مسائل عديدة منها:

-----------------------------------------------
1-  الانفطار: 13-14
2-  المستصفى 2/190
3-  الاسراء:23
4-  المستصفى: 2/190-191
5-  المستصفى: 2/191
6-  البقرة: 183 – 184
7-   البقرة: 59
8-  المستصفى: 1-97
-----------------------------------------------

-     أن الحكم الشرعي هو عبارة عن خطاب الشرع وليس وصفا للفعل(كما تدعي المعتزلة) ولذلك إذا لم يرد الشرع فإنه لا يتميز فعل عن غيره لا بالموافقة ولا بالمخالفة ويختلف ذلك بالإضافات ولا يكون صفة للذّات.
-     وأن التحسين والتقبيح شرعيّان، ولا مدخل للعقل فيه.
-     وأنه لا حكم قبل ورود الشرع.
فهذه ثلاث مسائل اختلف فيها السّنة مع المعتزلة، وانضم الشيعة إلى أهل الاعتزال في هذه القضايا، كما انضمّوا إليهم في نفي القياس.
كما ناقش الأصوليين والمتكلمين في أعقد وأشيك مسألة أصولية وهي مسألة التعبد بخبر الواحد عقلا. فقال: إنه لا يستحيل التعبد بخبرالواحد عقلا على خلاف القدرية وأنه لا يجب التعبّد به عقلا على خلاف الظاهرية وأنالتعبد به واقع سمعا وهو ما عليه جماهير من سلف الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين(1) معتمدا في ذلك الأدلة والشواهد ومختلف الوقائع عن الصحابة والتابعين.
أما مناقشة الفقهاء فتظهر جلية في ردّه على مالك لقوله "بالمصالح".
ففي المبحث الذي عقده لبيان الأصول الموهومة، وهي ما يظنأنه من أصول الأدلة وليس منها وهي أربعة: شرع من قبلنا، وقول الصحابي والاستحسان والاستصلاح يناقش مالكا في أخذه بمبدإ الاستصلاح ويمهد لذلك بالكشف عن معنى المصلحة وأقسامها وهي ثلاثة قسم شهد الشرع لاعتبارها، وقسم شهد لبطلانها وقسم لميشهد الشرع لا لبطلانها ولا لاعتبارها.
ثم يعرض لمسألة الضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة قال بهامالك ورآها مصلحة. قال أبو حامد: ولا نقول به لا لإبطال النظر إلى جنس المصلحة،لكن لأن هذه المصلحة تعارضها أخرى وهي مصلحة المضروب(2) لأنه ربما يكون بريئا منالذنب، وترك الضّرب في مذنب أهون من ضرب بريء ، فإن كان فيه فتح باب يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح باب إلى تعذيب البريء، واقترح تخليد الحبس عليه لكفّشره، وأنه لا يكفي الظن الغالب لإقامة هذه العقوبات، وإنما نجوّز ذلك عند القطع أوظن قريب من القطع، والظن القريب من القطع إذا صار كليا وعظم الخطر فيه فتحتقرالأشخاص الجزئية بالإضافة إليه، فإن قيل إن في توقفنا عن السّاعي في الأرض بالفساد ضررا كليا بتعريض أموال المسلمين ودمائهم للهلاك وغلب ذلك على الظن بما عرف منطبيعته وعادته المجربة طول عمره قلنا لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذ كان كذلك، ثم ذكر مسائل مال فيها إلى المصلحة مثال ذلك (حد الشارب) وعقب عليهابأنها من قبيل التعزيرات، والتعزيرات مفوضة إلى رأي الأيمة، فكأنه ثبت بالإجماع أنهم أمروا بمراعاة المصلحة، ثم ذكر مسألة المرأة التي فقدت زوجها، والأحكام المتعلقة بها، وقد مال في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح مع أنه أورد هـــذاالأصـــل في

-----------------------------------------------
1-  المستصفى: 1/148
2-  المستصفى: 1/297-298
 -----------------------------------------------

جملة الأصول الموهومة وكان الأولى به أن يلحقالمصلحة بالأصول الصحيحة لتصير أصلا خامسا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل،ولكنّه خطّأ من ظنّ أنه أصل خامس ودعواه أنه ردّ المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنةوالإجماع فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانتمن المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطروحة ومن صار إليهافقد شرّع2
فبهذه الشروط التي ذكرناها ( أن تثبت المصلحة قطعا أوبظن قريب من القطع و لم يرد نص على خلافها) يجوز اتباع المصالح. فتبيّن أنالاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه، بل من استصلح فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرّعوتبين به أن الاستصلاح على ما ذكرنا3.

خلاصة الإفادة:

إن مباحث الأصول التي تناولها في كتابه هي نفسها التي تناولها الأصوليون فيكتبهم لا تخرج عما تقرر عند جمهورهم من مسائل الأقطاب الأربعة، وهي قطب الأحكامالشرعية، وقطب الأدلة الشرعية، وقطب الاستدلال وقطب المستدل أو المجتهد، واختلفمعهم في النواحي التالية:

·     إعطاء مساحة أوسع للعقل في الاستدلال، وفي جعلهمُحكما، واجب الوجود في مسائل الشريعة، وفي اعتبار شرف العلوم وفضلها بامتزاجالعقل بها وفي أن دليل العقل أقوى من دلالة الصيغة اللفظية وفي اعتبار دلالة العقلعلى نفي الحكم عند انتفاء السمع.
·     التأكيد على فضل علوم الفقه وأصوله لأنه علم مُركّبمن السمع والعقل وتقديم هذا العلم على سائر علوم الشريعة بسبب هذا الامتزاج.
·     وضوح المنهج التدريسي القائم على تقرير المسائلبالتذكير بها والعود في مخاوضتها ومراجعتها، وذلك قصد ترسيخ هذه العلوم الصعبة فيأذهان الطلبة، إذ المستنتج أن "المستصفى" كتاب مدرسي كتب لطلبة العلم.
·     محاولة تعديل الكتابة في أصول الفقه، بعدم الخوضفي المسائل التي لا تتصل بهذا العلم والتي لا يجنى منها كبير فائدة، كما وقعللمتكلمين والفقهاء واللغويين من حشر مسائل من علومهم لا تتصل بأصول الفقه.
·    في مسألة المصطلحات، التأكيد على أن العبرة في المباحث الأصولية تستخلص منالمعاني لا من المباني، وهذا نزوع من الغزالي إلى مناصرة التوجه المصلحي فيالشريعة من دون إطلاق القول به كما هو الحال عند المالكية والحنابلة، ولكنه كانأكثر تفتّحا واستعدادا لقبول المصالح من سائر الشافعية المتقدمين عنه ومنهم شيخه أبوالمعالي الجويني، ونجد هذا المنحى في التوجه نحو المصالح حاضرا في أحد أعلامالمذهب الشافعي فيما بعد وهو العز بن عبد السلام المصري، وبذلك يعتبر الغزالي منأوائل الشافعية البادئين بنصرة المذهب الآخذ بالمصالح في الفقه الإسلامي وليأخذالمذهب الشافعي بعده المسلك المرن في قبول المصالح الراجعة إلى الأصول الثابتةوالمعاني المعتبرة.

-----------------------------------------------
1-  المستصفى: 1/306
2-  المستصفى: 1/311
-----------------------------------------------



بقلم: الدكتــــــور هشام قريسة
dimanche 24 février 2013

التداخل بين السني والبدعي في مسألة الاعتقاد في الأولياء الصالحين


بسم الله الرحمان الرحيم

أجرى الحوار سفيان كرباع من جريدة الضمير – تونس -

بلغت مسألة التوسل بالأولياء والاعتقاد في كراماتهم مظاهر عديدة في مجتمعنا التونسي عبر التاريخ لتنتقل إلى ألسنة بعض السياسيين في الآونة الأخيرة وتضع الخطاب الحداثي التنويري الذي يتبنونه في مأزق لتناقضه مع التأثير الخرافي للأولياء عندهم. من هذا المنطلق طرحنا هذا الموضوع على الدكتور هشام قريسة نائب رئيس جامعة الزيتونة حتى يؤصل هذه المسألة تأصيلا شرعيا منهجيا ويصل إلى فهم طبيعة التمازج والتداخل الذي وقع بين ماهو سنة و ماهو بدعة في هذه المسألة وطرق معالجة ذلك؟

يقول الأستاذ قريسة   :هناك شيء من الصواب في ردع هذه المظاهر والتشنيع عليها خاصة منها التي تتعلق بالتمسح على القبور والتضرع  إلى الموتى والنحر عند أضرحتهم، لكن الإصلاح ينشأ أساسا من إصلاح الفكر، و القرآن الكريم قد توخى هذا المنهج في عملية إصلاح الاعتقاد عند الناس. وأما الذين اعترضوا على مسألة هدم الأضرحة وحرقها  فلأن هذا الفعل من الهدم والحرق مخالف للأعراف الإسلامية و الإنسانية و الحضارية. أما من ناحية الطرح الإسلامي للموضوع فيمكن القول إن  هذا الأمر قد اختلط فيه السيئ بالحسن واختلط فيه الابتداع بالاستنان، أما الجانب الذي لا تعارض فيه مع الشريعة فهو زيارة القبور باعتبارأن المقصد منها هو الاتعاظ والتذكر ومعرفة مآثر العلماء والترحم عليهم والوقوف على تاريخهم وما كان لهم من دور علمي وتنويري، ولذلك فالزيارة لهذه الأماكن لا يجب أن تخرج عن هذا الحد،ومناقب هؤلاء الأولياء هو تاريخ يشرف الأمة ويجعلها متصالحة مع علمائها ومع دينها ولذلك كانت أكثر هذه المشاهد أماكن لتحفيظ القرآن وتدريس العلم . أما ما زاد على ذلك من التمسح على القبور وإيقاد الشموع والذبح عند الأضرحة فهو يخرج من الاستنان إلى الابتداع ويخرج عن سنن المسلمين وآدابهم مع موتاهم. وقد وجد شيء من هذا في تاريخنا، وهذا التداخل بين السني والبدعي لم تسلم منه الأمة.

تأصيل العلماء :
يقول الأستاذ هشام  :أما ما نلاحظه من أقوال العلماء في هذه المسألة فقد كان لهم موقفان من هذه الممارسات التي يمارسها العوام في الغالب مما كنت بصدد ذكره ، فاتجه الرأي الأول إلى أن هذه الممارسات تدخل في الكفر والشرك وأصحاب هذا الرأي يرون ضرورة صرف العامة عن هذا الأمر ولو بالقوة، ولو بهدم هذه الأماكن لأنهم يرون أن هذا الطريق هو الأسرع والأسلم في تحقيق عقيدة التوحيد في الأمة. ويمثل هذا الاتجاه طائفة من أهل السنة من مختلف المذاهب، وليس الأمر مقتصرا على الحنابلة فقط الذين هم حاسمون في هذا الأمر. أما الرأي الثاني فهم أكثر أتباع الأمة من الحنفية والمالكية والشافعية يرون أن هذه الممارسات الخارجة عن الحد المعروف عند السلف، تدخل في دائرة التحريم والمعصية ولكنها لا تصل إلى درجة الكفر والشرك. ويرى هذا الفريق أن هذه الأمور لا يحسن فعلها لأن الشبهة في تحريمها قائمة، ويؤكدون على ضرورة الفصل بين ما سنه الإسلام من الاعتبار والترحم على الميت و الدعاء له و عنده ، وبين ما تجاوز ذلك مما يستشف منه التعلق العظيم بالأولياء والتضرع عند قبورهم و تصور نفعهم و ضرهم فهذا يجب تركه.

تحقيق المعادلة :
على مستوى المعالجة قال الأستاذ : إن المفروض هو حماية العوام من كل ما يؤدي إلى انحراف عقائدهم وفساد دينهم حتى لو كانت المسألة فيها شبهة، ولكن هذا إنما يقع بتوعية الناس وتوضيح الأمور لهم حتى يعلم الناس ما يجوز من هذه الممارسات وما لا يجوز، وماهو مسنون وماهو مبتدع، فالمسنون نؤكده كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة " . فالنهي جاء أولا والإباحة جاءت ثانية ، والإباحة هي الناسخة وأما ما زاد على ذلك مما هو تعلق شديد بالميت وتعظيم له ونحر عند ضريحه  فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا عَقْرَ في الإسلام "  ومعناه أن لا تُذبح الذبائح عند القبور. هذا ويجب أن تكون علاقتنا بأسلافنا وعلمائنا علاقة اقتداء بأفعالهم لا علاقة توسل بأشخاصهم و أعمالهم لأننا مدعوون إلى أن نأخذ بطريقتهم و مطالبون بتكريمهم والدعاء لهم والترحم عليهم والاستنان بأعمالهم لأنهم هداة الأمة نسير على دربهم وتبقى علاقتنا بالله سبحانه وتعالى علاقة مباشرة خالصة، كما كانت علاقتهم بربهم علاقة مباشرة ، خالصة بدون توسط. وإنما يتم هذا بتوعية الناس وتعليمهم وتوجيههم ، وأساسا بتدخل أولي الأمر من المسلمين الماسكين بمقاليد الأمة الذين ينبهون على البدع ويمنعون التجاوز و ينشدون الصواب وينفذون الأصلح ، فهم ولاة الأمور، وبالتالي لا يترك هذا الأمر للأفراد و الجماعات ، من شاء هدم ومن شاء أقام، ومن شاء أحرق ومن شاء هلل وتوسل،  فتجتمع النقائض ويكثر الشغب بين الناس ويعم الهرج والمرج ، وقد يؤدي هذا الأمر إلى التناحر والتقاتل، ولذلك فإن الأمة بأئمتها وأولي أمرها هي التي تنظم هذا الشأن وتنفي عنه الخبث وتميز الحدود بين ما هو مشروع و بين ما هو ممنوع. وبالتالي نقول للناس صبرا ، فهذا الأمر موكول إلى همة أولي الأمر من هذه الأمة المسلمة، لمّا يتهيأ لها التمكينُ والقدرةُ فإنها ستقوم به بالاستعانة بعلمائها على أكمل وجه وأهدى سبيل.

وإن المناشد للحق إذا اختلطت عليه المسالك وتطرّفت عنده الأقوال وتقابلت ، فإن سبيله المنشود هو الوسط ، لا إفراط ولا تفريط و إنما تَوزّع الناس بين محب غالِ ومبغضِ قالِ , فسنّة الإسلام أن لا نقدّس أسلافنا ولا نعظّمهم كما يفعل غلاة الصوفية وسنّته أيضا أن لا نُهينَهم ولا نَزْدَريهم كما يفعل غلاة الحنابلة وإنما هو القَصْدَ،القَصْدَ  والوَسَطَ ، الوَسَطَ.                                              

 
بقلم: الدكتــــــور هشام قريسة
mardi 1 mai 2012

صكوك الغفران وصكوك الخسران


بسم الله الرحمان الرحيم

قد يقول قائل: صكوك الغفران نَعلَمُها، أو قد نعلمها، ونعلمُ أصحابها فما هي صكوك الخسران؟ ومن الذي يوزعها؟ ومن الذي سَيَبُوءُ بها؟ صكوك الغفران قديمة، وأشهر من قال بها النّصارى، وزّعها الأحبار والرهبان على الأتباع المنتسبين إلى الملّة النصرانيّة صكوك الغفران ضمانات لدخول الجنة توزّع على أتباع عيسى بن مريم يملكها الهيكل الكنسي، يعطيها لمن يُرى أنّه أهل للتواب، بتفويض – بٍزَعْمِهم - من ربّ العالمين، وصورة ذلك أن المسيحيّ إذا قارب على مفارقة الحياة ورُئْيَ عليه سمات الموت، يأتيه إلى بيته الرّاهب أو الحَبر، فيجلس بجانبه وهو ممّدد على فراشه، فيطلب منه اعترافاته، والاعترافات هو أن يذكر أنه أخطأ وأثم في حق نفسه وفي حق غيره، وأنه أصاب من الموبقات، وأنه نادم على ما فعل، باك على ما ارتكب، وأنه يرجو من الله المغفرة والعفو، فيطمئنه الرَّاهب، ويخفف من حسرته وحزنه ويبشره بمغفرة الله ورضوانه وأنه سيكون مع أحبابه وإخوانه في الجنة، فهذا الذي قدّمه الراهب لهذا المحتضر المودّع هو صك الغفران أي التأشيرة التي سيدخل بها الجنة.
فما هي صكوك الخسران؟ أعاذنا الله منها
يقول هذا المتسائل كأنني فهمتها، إذ بضدّها تتميز الأشياء، صكوك الغفران هي صكوك الجنة، أو هي ضمانات الجنّة. إذًا صكوك الخسران هي صكوك النّار، أو هي البطاقات المقتطعة، يَحُوزُ بها أناس، بل هلكةُ الناس أماكنهم في النار، يبقى الذي لم أستوعبه بعد، من هذا الذي يوزّع أماكن النّار؟ من هذا الذي ثكلته أمه يرضَى أن يَحملَ بطاقات العذاب يوزّعها على من يشاء من الناس من هذا الشقي الذي يأتي بالشؤم ويحكم على الناس بالخيبة والخسران إنهم الذين رضوا أن يكونوا همزةًّ، لمزةًّ، يهمزون في أعراض الأمة الإسلامية ويلمزون أخيارها، ويلعنون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم خلف هذه الأمة الضّال، يطعنون في عقيدة الصحابة والسّلف، ومن جرى هواه على تعظيمهم ومحبّتهم، ويقللون من أمانة من آمن وجاهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأخلص لله، ونصح للدين وجعل هواه موافقا لما رغّب فيه الله ورسوله.

فقالوا - خذلهم الله - فلان في النار وفلان في السعير، وفلانة في العذاب وفلان في الأغلال والحميم، وجميعهم في الجحيم، وإنما هذه دركات تفاوت فيها، من رَأَوهُ أهلاً لكل تصنيف، واتفقت هذه الطائفة الشيعية على أنّ الصحابة خابوا وخسروا، إلا نفرًا معدودا منهم يَذكرُونهم بأسمائهم لم يَرضَوا أن تُنزَعَ الإمامة والخلافة من آل البيت وتعطى لأبي بكر وعمر وعثمان، لأن هؤلاء الذين اختارهم المسلمون ليسوا أهلا لذلك، وليس لهم من العلم والحكمة والأمانة والطهر ما لعليّ وآل بيته، وحكموا على الأمة حكم شؤم وخسارة وهلاك، وجاؤوا بصكوك العذاب يُوزّعونَها فكانوا أسوَأ حال من الأمة النصرانية، لأنّ أحبار النّصارى ورهبانهم تفاءلوا خيرا بالأتباع، فوزّعوا عليهم صكوك الغفران، ورَجَوْا ربّهم -على ما هم فيه من الضّلال- أن يرحمهم ويتقبلهم في جنّات النّعيم، أما هؤلاء الخارجون عن المنهج الربّاني فقد حكموا على أخيار الأمة بأنهم هلكى، ضالّون، بعد أن رضاهم الله سبحانه وتعالى في كتابه، وغفر لهم وبعد أن شهد النبي صلى الله عليه وسلم - بما لا يُحصَى عدَدًا من الأحَاديث والآثار- بصلاحهم وأمَانَتهم وحُسن ديَانتهم، وعُقبَى حَالهم، فهل بعد شهادة الله ورسوله فيهم، وشهادة المؤمنين لهم نقول: هم في النار.

فهؤلاء الظلمةُ المَخْزٍيُّونَ يأتون لمن زكّاهم الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيحكمون عليهم بالخسران كما حكم أهل الكتاب على المعتنقين من دياناتهم بالغفران، فكلاهما حَادَ عن الصّراط المستقيم، فإن أمر الفصل بين الناس والحكم فيهم خيرًا أو شرّا إّنما هو لله وحده، يقول سبحانه وتعالى "فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" البقرة 113، "وإنّ ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " النحل 124، "إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين" الدخان 40، " إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" السجدة 25، إلى آيات كثيرة تدلّ أنّ أمر الفصل لله وحده، وأنّ أمرَ الإنسان هو أن يؤمنَ ويعملَ صالحا ويدعوَ إلى الله ويقول إنّي من المسلمين، بكل ما تعني كلمة الإسلام، في جميع دلالاتها اللّغوية والشرعية منها مسالمة النّاس، وأن يكفّ شرّه عنهم وفي الحديث الصحيح "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (صحيح البخاري، كتاب الإيمان – باب 4) أفلم يعلم هؤلاء الذين يُهَلِّكُونَ الناس، بل يُهَلِّكُونَ خيار الناس – أنهم قد خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:" إذا سمعت الرجل يقول :هلك الناس، فهو أَهلَكُهُم"  ( الموطأ – كتاب الكلام ص 609).

وخلاصة هذا المقال، أنه ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى وأنه لا تزر وازرةٌ وزر أخرى، وأنه ليس له من أمر الحكم في مصائر الناس شيئا، وأنه من الحياء والأدب أن يعرف مقداره، حتى يعرف مقدار الرّجال، وأن يكون كريمًا يقرّ بفضل السلف الصالح وأن لا يستفزّه الشيطان فَيُرٍيَهُ نفسه أنه خيرٌ مقامًا وأحسنُ نديا، فإنه ما من شك كما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" خير أمتي (وفي رواية خَيرُ النّاس) قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يُستشهدون  ويُخونون ولا يُؤتمنون ويُنذرون ولا يُوفون ويظهر فيهم السمَنُ (صحيح البخاري باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :1).

ولا شك أن هؤلاء الذين نتحدث عنهم، الموزّعون لصكوك الخسران قد نشؤوا بعد القرون الخَيّرة في الإسلام وعوضا أن يسيروا على هداهم ويَتَخَلّقُوا بخُلقهم استَزلّهم الشيطان فلم يميّزوا بين الصالح والطالح ولم يفرّقوا بين النافع والضار، فضلوا عن سواء السبيل، وتنكبوا عن الصّراط القويم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.
                    

      
بقلم: الدكتــــــور هشام قريسة